في ظل بسيغورد

Illustration_1.jpg

هتلر ودين جديد للسلافيين الشرقيين [1]

الكاتب: ميخائيل شكاروفسكي. دكتور في العلوم التاريخية، باحث أساسي ورئيس المحفوظات في أرشيف الدولة المركزية في سانت بطرسبرغ، محاضر في معهد سانت بطرسبرغ الحكومي للثقافة، أستاذ أكاديمية سانت بطرسبرغ اللاهوتية.

 كان النازيون يأملون في تسخير الدين لخدمة مصالحهم الخاصة وذلك أثناء هجومهم على الاتحاد السوفياتي. لقد كانت لديهم بالفعل خبرة كبيرة في تنفيذ مثل هذه السياسات في كل من ألمانيا والأراضي التي استولوا عليها في أوروبا. حيث تم نقل أساليب وممارسات سياسة الكنيسة النازية، التي تمت تجربتها أول مرة قبل العام 1941 في مختلف البلدان الأوروبية التي تم احتلالها إلى المنظمات الدينية في الاتحاد السوفيتي. بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد هذه السياسة هنا إلى حد كبير من خلال الموقف السلبي العام تجاه السلاف والروس بشكل خاص. في الوقت نفسه، خضعت سياسة ألمانيا النازية فيما يتعلق بالكنائس الأرثوذكسية، وخاصة الروسية، لتطوّر كبير كما وتم تقسيمها إلى مرحلتين أو حقبتين دالتين: قبل حزيران-يونيو 1941 وما بعده.

كانت هناك مجموعة كبيرة من العوامل التي حددت موقف الإدارات الألمانية من هذه القضية: الدعاية (البروباغاندا)، الأيديولوجية ، العسكرية (الوضع على الجبهة الشرقية) ، الدولية، إلخ. ولكن، على الرغم من كل الاختلافات في هذه المواقف، فإن الدور الحاسم لعبته توجيهات القيادة العليا للحزب النازي وشخصياً أدولف هتلر، مما يسمح لنا بالحديث عن وجود توجه واحد منظم في هذا الأمر.

كان هناك العديد من المنظمات الحكومية الألمانية التي تتعامل مع شؤون الكنيسة الروسية. وبحسب درجة قسوة وعنفيّة مناصبهم، فقد تم ترتيبهم على النحو التالي: جاء في المرتبة الأولى وزارة الرايخ لشؤون الكنيسة التي كانت أقل عنفاً من المنظمات الأخرى، تليها القيادة العليا للفيرماخت والإدارة العسكرية في روسيا، ثم وزارة الرايخ في الأراضي الشرقية المحتلة (RMO) ، والتي قدمت في النهاية بعض التنازلات للكنائس الأرثوذكسية. وبعدها المديرية العامة للأمن الإمبراطوري (RSHA) التي تميزت بقساوة كبيرة جداً. أما أقساهم علناً ودون منازع هو موقف قيادة الحزب النازي أي رئيس مستشارية الحزب بورمان وهتلر نفسه اللذان كانا معاديين للكنيسة بشكل علني.

في المرحلة الأولى، قدمت الإدارات الألمانية (بشكل رئيسي وزارة شؤون الكنيسة الرايخية) بعض الرعاية أو الدعم للكنيسة الروسية في الخارج، وفي الوقت نفسه قامت باتّباع سياسة توحيد الشتات الأرثوذكسي في الرايخ الثالث (ألمانيا النازية). الحملة 

في المرحلة الأولى، قدمت الإدارات الألمانية (بشكل رئيسي وزارة شؤون الكنيسة الرايخية) بعض الرعاية أو الدعم للكنيسة الروسية في الخارج، وفي الوقت نفسه قامت باتّباع سياسة توحيد الشتات الأرثوذكسي في الرايخ الثالث (ألمانيا النازية). الحملة التي انطلقت بهذه الطريقة صُممت لكي تُثير دعاية دولية. أراد النظام النازي أن يظهر في أعين الناس على أنه نقيض للحكومة السوفيتي، التي اضطهدت الكنيسة الروسية بنشاط في ثلاثينيات القرن الماضي. بالإضافة إلى ذلك ، تم تحديد الأهداف للتخفيف من التأثير السلبي للمعلومات التي تغلغلت في الخارج حول قمع الكنائس الكاثوليكية واللوثرية، وكذلك لكسب ودِّ دول البلقان للرايخ الثالث أي تلك الدول التي يسكنها المسيحيون الأرثوذكس كبلغاريا ورومانيا واليونان ويوغوسلافيا. بمرور الوقت، بدأت وزارة الرايخ لشؤون الكنيسة في متابعة هدفها الخاص، والذي لم تقم بمشاركته مع الأقسام الأخرى ألا وهو: إنشاء كنيسة أرثوذكسية ألمانية مستقلة وطنية.

Illustration_2.jpg

بعد بداية العدوان العسكري للرايخ في البلقان في ربيع العام 1941، وفي حزيران يونيو ضد الاتحاد السوفيتي، خضعت السياسة السابقة لتغييرات قوية (كانت أولى بوادر هذه التغييرات ملحوظة بالفعل في الحكومة العامة البولندية في عام 1939- 1940). ساد العداء تجاه الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. حيث تمت ممارسة أساليب مختلفة من الضغط عليها والتي تم اختبارها سابقاً ضد الطوائف الأخرى على أراضي ألمانيا نفسها، حيث تركز الخط التوجيهي في حل "المسألة الدينية" على التدمير (الداخلي والخارجي) للبنى التقليدية المستقرة أي "وحدة" الكنيسة. حاولوا أيضًا تقسيم الكنيسة الروسية إلى عدة أجزاء منفصلة (مبنيّة بشكل أساسي على أسس عرقية) بهدف السيطرة الكاملة عليها ولكنهم في الوقت نفسه حاولوا استخدام المنظمات الكنسية لمساعدة الإدارة في الأراضي المحتلة ولنشر البروبوغاندا أيضاً. ارتبط هذا أيضًا بتغيير في المواقف تجاه رجال الدين الروس في المهجر حيث حاولوا عزلهم تمامًا عن الأحداث التي تجري في روسيا كما وتم إقصاء الأحداث عن السجناء و المواطنين الروس الذين تم نقلهم إلى ألمانيا للعمل.

منذ تموز- يوليو 1941، وقعت قضية الكنائس الأرثوذكسية في دائرة مصالح أهم الإدارات النازية وهي مستشارية الحزب، والمديرية العامة للأمن الإمبراطوري، ووزارة الرايخ في المناطق الشرقية المحتلة ووزارة الخارجية. تم دفع وزارة شؤون الكنيسة للرايخ "إلى الخلف" ولم يُسمح لها على الإطلاق بدخول الأراضي المحتلة من الاتحاد السوفيتي. وفي ظل الانتصار العسكري للرايخ الثالث، وجدت الكنيسة الأرثوذكسية نفسها في مواجهة مرحلة ثالثة جديدة من السياسات النازية. حيث وضعت المديرية العامة للأمن الإمبراطوري ومستشارية الحزب خططًا للقضاء التدريجي على الكنيسة الأرثوذكسيّة وإنشاء دين جديد للمناطق الشرقية المحتلة.

على الرغم من جميع الاختلافات الخارجية الأولية بين السياسات الدينية النازية والسوفياتية (1920-1930)، كان بينهما الكثير من القواسم المشتركة. يتضح هذا بوضوح من خلال مثال منطقة منطقة بوزنان، والتي تم اختيارها في عام 1939 كـ "ساحة اختبار" لتجارب الكنيسة النازية. حيث تم إغلاق الأديرة هناك، وتم تخفيض النشاطات الدينية إلى العدم تقريباً. وهذا نفسه ما حصل في الإتحاد السوفيتي.

مع اندلاع الحرب في الاتحاد السوفياتي، قرر النازيون تقديم تنازلات صغيرة للأرثوذكس في الأراضي المحتلة. وقتها تم إرسال الكثير من الأوامر المكتوبة والتي تشير إلى وجوب عدم تعطيل الأنشطة الدينية للسكان المحليين، ولكن لم تتضمّن هذه الأوامر تعليمات لدعم الأنشطة الدينية. مع الذكر بأنه تم إعداد مشروع قانون بشأن حرية النشاط الديني في المناطق الشرقية، لكنّه لم يتم اعتماده قط. ومع ذلك، ربما كان توقيع هذا القانون هو اختبار لقوة هتلر وذلك بسبب موقفه الداخلي المناهض للمسيحية، وليس فقط بسبب الخوف من التأثير السلبي للمرسوم على الكنيسة في ألمانيا نفسها بالنسبة للنازيين. في الحقيقة، كانت السياسة الدينية الألمانية في إدارة المناطق المحتلّة لا تختلف كثيراً عن السياسة السوفيتية قبل الحرب. كما ويُذكرُ أن هيدريش أمر في كتابٍ صادر في 16 من آب-أغسطس 1941، رئيسَ المديرية العامة للأمن الإمبراطوري، شرطة الأمن ووحدات الشرطة الأمنية الألمانية (المعروفة بالـ SD) بالإبلاغ باستمرار عن تطور الوضع في الشؤون الكنسيّة في الجزء المحتل من الاتحاد السوفيتي.

Illustration_3.jpg

نت إحدى سمات السياسة الدينية النازية هي أن جميع قادة الرايخ الثالث تقريبًا موجَّهين بشكل إيماني وديني زائف وأولوا اهتمامًا كبيرًا لهذا الجانب الديني في حياتهم، وذلك على عكس القادة السوفييت. منذ أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، تم وضع خطط لخلق "دين جديد". أحدها، ربما حصلت عليه المخابرات الأمريكية، ورد ذكره في بيان رسمي للرئيس الأمريكي روزفلت في نهاية عام 1941. حوالي عام 1939، طور مكتب سرجيوس خطة تفصيلية أخرى بكامل تفاصيلها مدتها 25 عامًا، للسياسة الدينية القومية الاشتراكية. تتحدث هذه الخطة عن الحاجة إلى إدخال دين الدولة النازي بشكل إلزامي على الجميع بعد 25 عاماً. وبالتالي، إذا تم تنفيذ هذه الخطة، فإن جميع الأديان والطوائف التقليديّة ستختفي.

بالفعل في آب أغسطس من العام 1941، أي بعد شهرين من بدء الحرب مع الاتحاد السوفيتي، وفقًا لتعليمات هتلر الشخصية تم وضع أساس لخطّة إرشادية في المسألة الكنيسيّة وذلك في المنطقة الشرقية. كان على السلطات الألمانية أن تتسامح مع الكنيسة الروسية فقط وفي نفس الوقت تعمل على تجزئتها إلى أقصى قدر ممكن من الهياكل المنفصلة عن بعضها بهدف تجنب التوحيد المحتمل لـ "العناصر القيادية" في محاربة الرايخ. لكن المهام كانت أيضًا تتعلق باستخدام بروبوغاندا مضمونها أن الأرثوذكسية هي قوة روحية تتبع للحكومة السوفيتية ومعادية للبلشفية، كما واستخدام المنظمات الكنسية لمساعدة الإدارة الألمانية في الأراضي المحتلة.

توجيهات هتلر التي تمنع جنود الفيرماخت من تقديم أي مساعدة لإحياء حياة الكنيسة في المنطقة الشرقية لم تكن مصادفة. لأنه في النصف الثاني من عام 1941، ساعد ضباط وممثلو الإدارة العسكرية الألمانية في فتح الكنائس. مما دلّ على ان مرسوماً واحداً لم يكن كافياً لوقف هذه الأفعال بشكل نهائي. فأصدر هتلر، الذي كان يبدي اهتمامًا ملحوظًا بهذا الأمر، توجيهات إضافية جديدة في سبتمبر- أيلول من العام ذاته. التوجيهات التي تم إصدارها مرفقةً بالتوجيهات الأربعة السابقة في[2] أكتوبر - تشرين اول 1941، في شكل أوامر من قادة المناطق الخلفية لمجموعات الجيش الشمالية والوسطى والجنوبية. وسرعان ما تُبعت بتعليمات إضافية من جانب القيادة العسكرية، توضح للقوّات الموقف الذي ينبغي اتخاذه فيما يتعلق بالكنيسة الأرثوذكسية. تدريجيًا، وإن لم يكن على الفور، دخلت هذه الأوامر حيز التنفيذ، وتم إلغاء كل المساعدات للكنيسة من القوات الألمانية.

في الأشهر الأولى من الحرب مع الاتحاد السوڤييتي، حاولت شرطة الأمن و SD الحصول على تأثير مهيمن على المنظمات الدينية مستغلة الوضع في الأراضي المحتلّة حيث لم تُشكّل أراضي محتلّة. يظهر هذا بوضوح في بيلاروسيا وأوكرانيا. لم تتطابق وجهات نظر شرطة الأمن ووزارة الرايخ في المناطق الشرقية المحتلة من كل النواحي. وهكذا، بدأت المديرية العامة للأمن الإمبراطوري في تطوير خطط للسياسة الدينية طويلة الأمد أي لما بعد الحرب في المنطقة الشرقية. بالفعل في 31 أكتوبر تشرين أول 1941، تم إصدار التوجيه السري المقابل الذي وقعه هيدريش. إن العنصرية المطلقة لهذا النظام لا تدع مجالاً للشك حول مصير الأرثوذكسية في حال انتصار ألمانيا النازية. كانوا سيدمرونها، بزرع "دين جديد" يخلو من العديد من العقائد المسيحية الأساسية.

لم تشارك وزارة الرايخ في المناطق الشرقية المحتلة في مثل هذه الخطط. فلقد انشغلت بمهام أكثر اهمية بالنسبة لها وهي "تهدئة" الأراضي التي تم احتلاها، واستغلال إمكاناتها الاقتصادية لصالح الرايخ الثالث، وتقديم الدعم من السكان المحليين للإدارة الألمانية ، إلخ. لذلك ، تم إيلاء أهمية كبيرة للبروباغاندا، وفي هذا الصدد بدا من المغري جدًا استخدام المشاعر الدينية للسكان. كانت الوزارة ومفوضو الرايخ التابعين لها هم الذين يحددون السياسة الكنسية العملية للسلطات الألمانية في أوكرانيا وبيلاروسيا ودول البلطيق منذ نهاية عام 1941.

في شهادته في 16 أكتوبر تشرين اول 1946 في محاكمات نورمبرغ، قال روزنبرغ: "بعد دخول القوات الألمانية إلى المناطق الشرقية، منح الجيش حرية الاعتراف الديني والعبادة وذلك بأمرٍ مني شخصياً. وعندما تم تعييني وزيراً للمقاطعات الشرقية، أصدرتُ مرسوماً خاصاً بشأن "حرية الكنيسة" في نهاية كانون الأول ديسمبر 1941 ". تم إعداد هذا المرسوم بالفعل من قبل روزنبرغ، ولكن بسبب عدم رضى المعارضين ذوي النفوذ، على هذا المرسوم وخصوصاً بورمان وهتلر شخصيًا، لم يتم إصدار المرسوم أبداً. استمر تطوير قانون أساسي للحرية الدينية في الأراضي الشرقية المحتلة والتفاوض بشأنه لمدة سبعة أشهر أي من أكتوبر تشرين أول إلى أوائل مايو أيار، ولكن النتيجة كانت رفض هتلر القاطع للمسودة الثامنة عشرة والأخيرة. لم تصدر سوى نسخة مختصرة من الأوامر التفسيرية لقانون لم يتم اعتماده بالأصل وذلك في شكل مراسيم مستقلة من الرايخسكوميسار.

Illustration_4.jpg

حدثت ذروة المفاوضات في ربيع عام 1942. في هذا الوقت ، أجبرت الانتفاضة الدينية على التعامل مع قضية الكنيسة في روسيا على محمل الجد. وتجدر الإشارة إلى أن هتلر نفسه تعامل شخصيا مع المشاكل الدينية واعتبرها واحدة من أهم المشاكل في "إدارة الشعوب التي تم احتلالها". في 11 أبريل- نيسان 1942، حدد هتلر رؤيته للسياسة الدينية وذلك عبر دائرة من المقربين منه. الرؤية كانت تجزئة قسريّة للكنائس، وتغيير قسري في طبيعة معتقدات سكان المناطق المحتلة، كما وتم حظر "تنظيم كنائس واحدة لأية أقاليم روسية مهمة "

بناء على تعليمات من روزنبرغ ، أصدر رئيس حزب الرايشسكيميسارات الأوكراني (الإدارة العسكرية في أوكرانيا) في الأول من يونيو حزيران، ورئيس مفوضية الرايخ أوستلاند (هنريش لوهس) في 19 يونيو- حزيران نفس المراسيم، والتي وضعت جميع المنظمات الدينية تحت السيطرة الدائمة للإدارة الألمانية. لم يكن هناك ذكر لحرية الإيمان أو لنشاط الكنيسة، وكان التركيز الرئيسي على تسجيل الجمعيات الدينية ولم يُسمح لها حتى إلا بأداء مهام دينية بحتة.

وهكذا، وبحلول صيف عام 1942، تم الانتهاء من توجيه السياسة الكنيسيّة الألمانية في المنطقة الشرقية، استناداً إلى رأي مستشارية الحزب والتعليمات الشخصية لهتلر. ويتعين على جميع الذين لا يوافقون على نهجهم أن يستسلموا. ولم يتغير هذا الخطط كثيرا مع مرور الوقت، على الرغم من أن حكومة الرايخ في الأراضي الشرقية المحتلة وقيادة فيرماخت حاولت بشكل دوري وبطرقٍ مختلفةٍ تحقيق بعض التخفيف من قسوته.

من أجل منع إحياء كنيسة روسية قوية وموحدة، قام النازيون ، منذ خريف عام 1941، بدعم بعض الأساقفة الأرثوذكس في أوكرانيا ودول البلطيق وبيلاروسيا، الذين عارضوا بطريركية موسكو وأعلنوا عزمهم على تشكيل كنيسة مستقلة. بيد أن المتورطين في الرايشسكيين، وإن بدرجات متفاوتة، لم يشاركوا هذه السياسة التي تنتهجها الوزارة مشاركةً كاملة. هنريش لوهس كان متسامحًا مع الكنيسة الروسية المنظمة جيدًا ومع أنشطتها التبشيرية في شمال غرب روسيا وفي دول البلطيق، لكنه لم يسمح بالتوحيد الكنسي والإداري لبحر البلطيق مع بيلاروسيا، حيث بذل قصارى جهده لتنمية النزعة الإنفصالية للمؤمنين على الرغم من أن معظم جهوده في تحقيق ذلك بائت بالفشل.

Illustration_5.jpg

جميع المناطق الروسية تقريبًا التي احتلتها القوات الألمانية كانت تقع في منطقة خط المواجهة وكانت تخضع لسيطرة الإدارة العسكرية ، والتي خففت في كثير من الأحيان من إجراءاتها النازية ضد الكنيسة الروسية. كان الوضع في شمال غرب روسيا جيّد نسبياً مقارنةً بالمناطق الأخرى، حيث كانت تعمل بنشاط بعثة بسكوف الروحية الأرثوذكسية. البعثة التي استطاع رئيس إكسرخية البلطيق التابعة لبطريركية موسكو، المتروبوليت سرجيوس (فوسكريسنسكي)، الحصول على إذنٍ من القيادة العسكرية لإنشاءها في منتصف آب – أغسطس من العام 1941. حيث كرّس حياته وجهوده في سبيلها وذلك إلى أن تم اغتياله في نيسان- أبريل من العالم 1944. يُذكرُ أن الإحياء الديني في مناطق مختلفة من روسيا كان نشطًا للغاية وكان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنمو الهوية الوطنية.

آنذاك نشأ وضعٌ خاصٌ في أوكرانيا حيث دعمت الإدارة الألمانية في البداية بنشاطٍ الانفصاليين الكنسيين كما وشجّعت على إنشاءِ كنيسةٍ أوكرانيةٍ منفصلةٍ مستقلة بدلاً من الكنيسة الأوكرانية (الذاتيّة) التي نشأت قبلها بعدة أشهرٍ والتي كانت تقع تحت إدارة وقانونية بطريركية موسكو. ولكن مع تدهور العلاقات مع القوميين الأوكرانيين، توسعت الحركة الحزبية لأنصار بانديرا وفقدت الكنيسة المستقلة، التي نشأت حديثاً، مكانتها وقوتها.

حدثت بعض التغييرات في سياسة الكنيسة النازية في أواخر عام 1943-1944. حيث شرعت المديرية العامة للأمن الإمبراطوري بموافقة مستشارية الحزب في عقد سلسلة من المؤتمرات للأساقفة الأرثوذكس وذلك رغبة منها للتصدي للدعاية (البروباغاندا) السوفياتية. الأمر الذي أدى إلى تنشيط الحياة الكنسية بشكل ملحوظ. حيث تم السماح أولاً بإجراء مؤتمر لرؤساء الكنيسة الروسية في الخارج وذلك في فيينا في الفترة الممتدّة من 8 إلى 13 تشرين أول-أكتوبر 1943. على الرغم من أن العلاقات معها (مع الكنيسة الروسية في الخارج) كانت غير ودّية وحذرة منذ العام 1941.

ثانياً: تم عقدُ سلسةٍ من المؤتمرات المماثلة في عّدة بلدان وذلك في مارس - أبريل 1944. اثنين منها في وارسو لأساقفة الكنائس الأوكرانية المستقلة والذاتيّة. وواحداً في مينسك لرؤساء الكنيسة البيلاروسية وآخر في ريغا لرجال الدين في إكسرخسية البلطيق التابعة لبطريركية موسكو.

لكن في الوقت ذاته، كانت الرايخسمينية تعدُّ وتحّضر لخطتها القديمة التي نفذتها في الأراضي الشرقية المحتلة وهي دعم الكنائس الوطنية بهدف تفكيك الكنيسة الجامعة الروسية. وخصوصاً في أوكرانيا حيث كانوا يخططون لإنشاء كنيسة أوكرانية تجمع كل الأوكرانيين ويمكنها في المستقبل إقامة مجمع كنسي ويمكنه انتخاب بطريرك أوكرانيّ. بل وذهبوا أكثر من ذلك لدرجة أنهم حضّروا مرشحيهم لتسلّم هذا المنصب. لكن بحلول أيار- مايو 1944، تم نفي أساقفة الكنيستين الأوكرانيتين المستقلّة والذاتية إلى وارسو. لكن النازيون في عام 1944 تخلّوا بشكل مفاجئ عن سياستهم وخططتهم الكنسيّة. إلّا أن هجوم القوات السوفيتية خلط أوراق الوزارة وأعادها إلى سابق عهدها. وقامت بأسرع ما يمكن بإجلاء الأساقفة الأوكرانيين من وارسو إلى سلوفاكيا وخارجها.

في بداية عام 1945، أي في الأشهر الأخيرة من الحرب، تراجع انخراط حكومة الرايخ في الأراضي الشرقية المحتلة بشؤون الكنيسة. لكن استشاريّة الحزب لم تترك الكنيسة بشأنها حيث أنها في 29 كانون ثاني – يناير من العام ذاته، كتب بورمان إلى وزير الدعاية (البروباغاندا) يوسف غوبلز أنه لا ينبغي التعبير عن أي وجهة نظر فيما يتعلق بانتخاب بطريرك موسكو الجديد (أليكسي الأول) سواء في الصحافة أو في البث الإذاعي. لقد حاولوا إسكات الانتخابات، حيث لم تكن لهم، ببساطة، أي حجج للدعاية المضادة.

إن أفعال النازيين قبل الانسحاب من المناطق المحتلة كحرق الكنائس ونهبها وإزالة الأجراس وترحيل رجال الدين وقتلهم كانت تعبّر عن عداءهم للأرثوذكسية. هنا نذكر كمثال منطقة لينينغراد، حيث دمّر النازيونَ 44 كنيسة وفي منطقة موسكو دمّروا حوالي 50 كنيسة. ووفقًا لتقرير اللجنة العليا للتحقيق في جرائم الغزو الألماني الفاشي في روسيا فإن الفاشيين قاموا بتدمير وهدم 1670 كنيسة أرثوذكسية و69 كنيسة صغيرة و1127 مبنى للطوائف الدينية الأخرى.

Illustration_6.jpg



بدأ التطور السريع للحياة الكنيسة في تلك الأراضي المحتلة من الاتحاد السوفييتي بشكل غير مبرمج وأخذ يتطوّر بسرعة كبيرة. أما السياسة النازية وقتها فاقتصرت على تقسيم الكنيسة، واستخدامها في خدمة الإدارة الألمانية، والقضاء على الأرثوذكسية بعد الحرب. وقد تجلت الرغبة في "تفتيت" الحياة الدينية في دعم رؤساء الكهنة الذين عارضوا بطريركية موسكو. ولكن على الرغم من كل هذه السياسات فإن الكنيسة الروسية توحّدت في جميع أنحاء الأراضي المحتلة رغم التقسيمات الثلاث التي حصلت في صفوفها. لم يكن من الممكن إنشاء كنائس قومية انفصالية في أي مكان باستثناء أوكرانيا، بل وتبعها أقلية من رجال الدين والمؤمنين. لم يقتصر الأمر على محبة الروس وانتمائهم لديانتهم، بل اتضح أيضًا أن الكنيسة الروسية كمنظمة هي أقوى بكثير وأكثر تماسكًا مما اعتقدته السلطات النازية.

جميع الكنائس التي تم إعادة فتح أبوابها تحوّلت إلى مراكز للوعي الوطني الروسي ومظاهر المشاعر الوطنية. حيث كان يتردد الكثير من السكان. وفي غضون ثلاث سنوات فقط من الاحتلال وعلى الرغم من ظروف المجاعة والدمار ونقص الفرص المادية، تمت استعادة أكثر من 40٪ من الكنائس التي أخذت قبل الثورة. حيث كان عددهم الإجمالي 9400 على الأقل. بالإضافة إلى ذلك، تم إعادة إنشاء وإحياء حوالي 60 ديرًا (45 في أوكرانيا و 6 في بيلاروسيا و8-9 في روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية).

كانت نتائج الإحياء الديني في الأراضي المحتلة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية عظيمة للغاية. ولا شك أن كان له تأثير ملحوظ على تغيير السياسة الدينية للقيادة السوفيتية خلال سنوات الحرب. أظهر الانتفاضة الدينية أن الاضطهاد في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي لا يمكن أن يدمر إيمان الناس وأسس حياة الرعية.

أصبحت الحياة الدينية في الأراضي المحتلة من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية على الفور مجالًا للصراع الإيديولوجي والبروباغاندا الحادة بين ألمانيا النازية من جهة والدولة السوفيتية وبطريركية موسكو من جهة أخرى. في المرحلة الأولى من هذا الصراع، كانت ألمانيا متفوّقة، لكنها ما لبثت وأن بدأت تخسر الصراع. كان نشاط الكنيسة أثناء الاحتلال خاضعًا لسيطرة موسكو وأوليانوفسك (مقر إقامة رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ، ميتروبوليت سرجيوس (ستراغورودسكي) في أكتوبر 1941 - أغسطس 1943).

Illustration_7.jpg

منذ عام 1943، وافقت القيادة السوفيتية والبطريركية الروسية على الانتقال إلى العمليات الهجومية. تكثفت بشكل حاد محاولات توسيع نفوذهم على الحياة الدينية للأراضي المحتلة. ونجحوا جزئيًا ( حيث تم إجراء اتصالات مع المطرانين الكسندر (إينوزيمتسيف) وسرجيوس (فوسكريسنسكي) وعدد من الرؤساء الآخرين). كما تكثفت الأعمال الدعائية ( البروباغاندا) بشكل كبير. نتيجة لذلك، في 1943-1944 كانت نسبة أتباع بطريركية موسكو بين رجال الدين في المناطق المحتلة في تزايدٍ مستمر. وبعد طرد القوات النازية، عادت الغالبية العظمى من الأبرشيات الأوكرانية والبيلاروسية والبلطقية الأرثوذكسية إلى كنف الكنيسة الأورثوذكسية. أما وضع الأديار فقد كان أسهل نسبياً، لأن جميعهم تقريباً، حتى خلال فترة الاحتلال، اعتبروا أنفسهم تابعين قانونيًا لبطريركية موسكو. وهكذا، ومع نهاية الحرب، عانت ألمانيا النازية من الهزيمة ليس فقط في المجال العسكري والاقتصادي، ولكن أيضًا في مجال السياسة الدينية.


[1] هو بطل أسطوري من الميثولوجيا الألمانية، اشتهر بأسطورة قتله للتنين. كان متزوج من غودرون لتقوم الأميرة برونهيلد بقتلها لأجل ان تتزوج بسيغورد. وذكر أنه توفي بالتسمم بعد زواجه من برونهيلد.

[2]  كبار الشخصيات الرسمية الألمانية في ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية ، وواحدا من ابرز مهندسي المحرقة

كاتب المقالة
Michael Shkarovsky
قداسة البطريرك كيريل يحتفل بالقدّاس الإلهيّ في عيد دخول السيّدة إلى الهيكل

04.12.2021

تهنئة قداسة البطريرك كيريل لسيادة المطران نيفن (صيقلي) بمناسبة عيد ميلاده الثمانين

04.12.2021

كلمة ترحيب قداسة البطريرك كيريل بالمشاركين في مؤتمر "علم اللاهوت في المجالين العلميّ والتعليميّ"

02.12.2021

تهنئة رئيس الكنيسة الأرثوذكسيّة الجورجيّة لقداسة البطريرك كيريل بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين

01.12.2021

لقاء قداسة البطريرك كيريل مع أعضاء لجنة تشجيع المبادرات الاجتماعيّة وغيرها تحت رعاية الكنيسة ومجلس صندوق "حفظ التراث والثقافة المسيحيّة"

30.11.2021

رئيس الجمهورية الصربيّة يهنئ قداسة البطريرك كيريل بمناسبة عيد ميلاده

29.11.2021

رؤساء الكنائس الأرثوذكسيّة المشرقيّة يهنئون قداسة البطريرك كيريل بعيد ميلاده الخامس والسبعين

27.11.2021

رئيس الكنيسة الأرثوذكسيّة الرومانيّة يهنئ بطريرك موسكو بعيد ميلاده الخامس والسبعين

26.11.2021

غبطة البطريرك يوحنّا العاشر يهنئ رئيس الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين

25.11.2021

غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث يهنئ رئيس الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين

24.11.2021

تهنئة من غبطة المتروبوليت تيخن مطران سائر أمريكا وكندا (OCA) لقداسة البطريرك كيريل بمناسبة عيد ميلاده

23.11.2021

رسالة التهنئة من قداسة البطريرك كيريل بطريرك موسكو وسائر روسيا لغبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث بمناسبة ذكرى تنصيبه بطريركاً على القدس

22.11.2021

قداسة البطريرك كيريل: البطريرك برثلماوس يعتبر نفسه ليس أوّلاً بين المتساوين بل أوّلاً فوق الأخرين

20.11.2021

أعضاء مجمع الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة يهنئون قداسة البطريرك كيريل بمناسبة عيد ميلاده

20.11.2021

رسالة تهنئة قداسة البطريرك كيريل لكاثوليكوس الشرق باسيليوس مار توما متى الثالث

15.10.2021

معتمديّة الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة تحتفل بعيد ميلاد المتروبوليت نيفن

05.12.2021

قداسة البطريرك كيريل يحتفل بالقدّاس الإلهيّ في عيد دخول السيّدة إلى الهيكل

04.12.2021

المتروبوليت هيلاريون يهنّئ سيادة المتروبوليت نيفن (صيقلي) ممثّل بطريرك أنطاكية وسائر المشرق لدى بطريرك موسكو بمناسبة عيد ميلاده الثمانين

04.12.2021

كلمة المتروبوليت هيلاريون في أكاديميّة الاقتصاد الوطنيّ والإدارة العامّة التابعة لمكتب رئيس الاتّحاد الروسيّ

03.12.2021

المتروبوليت هيلاريون: إنّ قريبنا هو الذي يحتاج إلى رحمتنا

28.11.2021

سيادة المطران هيلاريون: لأوّل مرة تم الاعتراف بانتهاك حقوق مؤمني الكنيسة الأرثوذكسيّة الأوكرانيّة على مستوى دولي

21.11.2021

سيادة المطران هيلاريون: السبب الرئيسيّ لأزمة الهجرة العالميّة هو تدخّل قوّات الدول الغربيّة في الشرق الأوسط

20.11.2021

المتروبوليت هيلاريون يزور ممثلية بطريركية موسكو في الولايات المتحدة الأمريكيّة

16.11.2021

المتروبوليت هيلاريون: البطريرك برثولماوس يساهم في الانشقاق الكنسي في الأراضي القانونيّة للكنيسة الروسيّة

15.11.2021

زيارة المطران هيلاريون إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة

11.11.2021

سيادة المتروبوليت هيلاريون: "يرفض المدافعون الليبراليّون عن حقوق الإنسان الحقّ الأساسيّ عند الإنسان وهو حقّ الحياة"

30.10.2021

مقابلة سيادة المتروبوليت هيلاريون لوسيلة الإعلام "ريا نوفوستي"

26.10.2021

رئيس قسم العلاقات الخارجيّة الكنسيّة يزور أكسفورد

26.10.2021

رئيس قسم العلاقات الخارجيّة يستقبل الممثل الثقافيّ للسفارة الإيرانيّة

19.10.2021

سيادة المتروبوليت هيلاريون: "الإنجيل المقدّس لا يزال حتّى يومنا ينبوعاً للحياة"

10.10.2021

ملاحظات

الحقول المحددة * مطلوب التعبئة

أرسل الطلب
Рус Укр Eng Deu Ελλ Fra Ita Бълг ქარ Срп Rom عرب